فصل: فَصْلٌ: (أَصْلُ الشُّكْرِ فِي اللُّغَةِ):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: [أَصْلُ الشُّكْرِ فِي اللُّغَةِ]:

وَأَصْلُ الشُّكْرِ فِي وَضْعِ اللِّسَانِ: ظُهُورُ أَثَرِ الْغِذَاءِ فِي أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ ظُهُورًا بَيِّنًا. يُقَالُ: شَكِرَتِ الدَّابَّةُ تَشْكَرُ شَكَرًا عَلَى وَزْنِ سَمِنَتْ تَسْمَنُ سِمَنًا: إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا أَثَرُ الْعَلَفِ، وَدَابَّةٌ شَكُورٌ: إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهَا مِنَ السِّمَنِ فَوْقَ مَا تَأْكُلُ وَتُعْطَى مِنَ الْعَلَفِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَتَّى إِنَّ الدَّوَابَّ لَتَشْكَرُ مِنْ لُحُومِهِمْ أَيْ لَتَسَمَنُ مِنْ كَثْرَةِ مَا تَأْكُلُ مِنْهَا.
وَكَذَلِكَ حَقِيقَتُهُ فِي الْعُبُودِيَّةِ الشُّكْرُ. وَهُوَ ظُهُورُ أَثَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ: ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا. وَعَلَى قَلْبِهِ: شُهُودًا وَمَحَبَّةً. وَعَلَى جَوَارِحِهِ: انْقِيَادًا وَطَاعَةً.
وَالشُّكْرُ مَبْنِيٌ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ: خُضُوعُ الشَّاكِرِ لِلْمَشْكُورِ. وَحُبُّهُ لَهُ. وَاعْتِرَافُهُ بِنِعْمَتِهِ. وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِهَا. وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلَهَا فِيمَا يَكْرَهُ.
فَهَذِهِ الْخَمْسُ: هِيَ أَسَاسُ الشُّكْرِ. وَبِنَاؤُهُ عَلَيْهَا. فَمَتَى عُدِمَ مِنْهَا وَاحِدَةً: اخْتَلَّ مِنْ قَوَاعِدِ الشُّكْرِ قَاعِدَةٌ.
وَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الشُّكْرِ وَحْدَهُ، فَكَلَامُهُ إِلَيْهَا يَرْجِعُ. وَعَلَيْهَا يَدُورُ.
فَقِيلَ: حَدُّهُ الِاعْتِرَافُ بِنِعْمَةِ الْمُنْعِمِ عَلَى وَجْهِ الْخُضُوعِ.
وَقِيلَ: الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِذِكْرِ إِحْسَانِهِ.
وَقِيلَ: هُوَ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى مَحَبَّةِ النِّعَمِ، وَالْجَوَارِحِ عَلَى طَاعَتِهِ، وَجَرَيَانُ اللِّسَانِ بِذِكْرِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: هُوَ مُشَاهَدَةُ الْمِنَّةِ. وَحِفْظُ الْحُرْمَةِ.
وَمَا أَلْطَفَ مَا قَالَ حَمْدُونُ الْقَصَّارُ: شُكْرُ النِّعْمَةِ أَنْ تَرَى نَفْسَكَ فِيهَا طُفَيْلِيًّا.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ: الشُّكْرُ مَعْرِفَةُ الْعَجْزِ عَنِ الشُّكْرِ.
وَقِيلَ: الشُّكْرُ مَعْنَاهُ إِضَافَةُ النِّعَمِ إِلَى مُولِيهَا بِنَعْتِ الِاسْتِكَانَةِ لَهُ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ: الشُّكْرُ أَنْ لَا تَرَى نَفْسَكَ أَهْلًا لِلنِّعْمَةِ.
هَذَا مَعْنَى قَوْلِ حَمْدُونَ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ فِيهَا طُفَيْلِيًّا.
وَقَالَ رُوَيْمٌ: الشُّكْرُ اسْتِفْرَاغُ الطَّاقَةِ.
وَقَالَ الشِّبْلِيُّ: الشُّكْرُ رُؤْيَةُ الْمُنْعِمِ لَا رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ.
قُلْتُ: يَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَمْرَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَفْنَى بِرُؤْيَةِ الْمُنْعِمِ عَنْ رُؤْيَةِ نِعَمِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا تَحْجُبَهُ رُؤْيَةُ نِعَمِهِ وَمُشَاهَدَتُهَا عَنْ رُؤْيَةِ الْمُنْعِمِ بِهَا. وَهَذَا أَكْمَلُ. وَالْأَوَّلُ أَقْوَى عِنْدَهُمْ.
وَالْكَمَالُ: أَنْ تَشْهَدَ النِّعْمَةَ وَالْمُنْعِمَ. لِأَنَّ شُكْرَهُ بِحَسَبِ شُهُودِ النِّعْمَةِ. فَكُلَّمَا كَانَ أَتَمَّ كَانَ الشُّكْرُ أَكْمَلَ. وَاللَّهُ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ: أَنْ يَشْهَدَ نِعَمَهُ، وَيَعْتَرِفَ لَهُ بِهَا. وَيُثْنِيَ عَلَيْهِ بِهَا. وَيُحِبُّهُ عَلَيْهَا. لَا أَنْ يَفْنَى عَنْهَا. وَيَغِيبَ عَنْ شُهُودِهَا.
وَقِيلَ: الشُّكْرُ قَيْدُ النِّعَمِ الْمَوْجُودَةِ، وَصَيْدُ النِّعَمِ الْمَفْقُودَةِ.
وَشُكْرُ الْعَامَّةِ: عَلَى الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ، وَقُوتِ الْأَبْدَانِ.
وَشُكْرُ الْخَاصَّةِ: عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ وَقُوتِ الْقُلُوبِ.
وَقَالَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَشْكُرُكَ؟ وَشُكْرِي لَكَ نِعْمَةٌ عَلَيَّ مِنْ عِنْدِكَ تَسْتَوْجِبُ بِهَا شُكْرًا. فَقَالَ: الْآنَ شَكَرْتَنِي يَا دَاوُدُ.
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ إِسْرَائِيلِيٍّ: أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا رَبِّ، خَلَقْتَ آدَمَ بِيَدِكَ. وَنَفَخْتَ فِيهِ مِنْ رُوحِكَ. وَأَسْجَدْتَ لَهُ مَلَائِكَتَكَ. وَعَلَّمْتَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ. وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ. فَكَيْفَ شَكَرَكَ؟ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي. فَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ شُكْرًا لِي.
وَقِيلَ: الشُّكْرُ التَّلَذُّذُ بِثَنَائِهِ، عَلَى مَا لَمْ تَسْتَوْجِبْ مِنْ عَطَائِهِ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ- وَقَدْ سَأَلَهُ سَرِيٌّ عَنِ الشُّكْرِ، وَهُوَ صَبِيٌّ- الشُّكْرُ: أَنْ لَا يُسْتَعَانَ بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى مَعَاصِيهِ. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ مُجَالَسَتِكَ.
وَقِيلَ: مَنْ قَصُرَتْ يَدَاهُ عَنِ الْمُكَافَآتِ فَلْيَطُلْ لِسَانُهُ بِالشُّكْرِ.
وَالشُّكْرُ مَعَهُ الْمَزِيدُ أَبَدًا. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} فَمَتَى لَمْ تَرَ حَالَكَ فِي مَزِيدٍ. فَاسْتَقْبِلِ الشُّكْرَ.
وَفِي أَثَرٍ إِلَهِيٍّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقَنِّطُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي. إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ. أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ، لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الْمَعَايِبِ.
وَقِيلَ: مَنْ كَتَمَ النِّعْمَةَ فَقَدْ كَفَرَهَا. وَمَنْ أَظْهَرَهَا وَنَشَرَهَا فَقَدْ شَكَرَهَا.
وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ».
وَفِي هَذَا قِيلَ:
وَمِنَ الرَّزِيَّةِ أَنَّ شُكْرِيَ صَامِتٌ ** عَمَّا فَعَلْتَ وَأَنَّ بِرَّكَ نَاطِقُ

وَأَرَى الصَّنِيعَةَ مِنْكَ ثُمَّ أُسِرُّهَا ** إِنِّي إِذًا لِنَدَى الْكَرِيمِ لَسَارِقُ

.فَصْلٌ: [الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ]:

وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ أَيُّهُمَا أَعْلَى وَأَفْضَلُ؟ وَفِي الْحَدِيثِ «الْحَمْدُ رَأَسُ الشُّكْرِ، فَمَنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ لَمْ يَشْكُرْهُ».
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الشُّكْرَ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَنْوَاعِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلَّقَاتِهِ. وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَلَّقَاتِ، وَأَخَصُّ مِنْ جِهَةِ الْأَسْبَابِ.
وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَاسْتِكَانَةً، وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا، وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا. وَمُتَعَلَّقُهُ: النِّعَمُ، دُونَ الْأَوْصَافِ الذَّاتِيَّةِ، فَلَا يُقَالُ: شَكَرْنَا اللَّهَ عَلَى حَيَاتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَعَلِمْهِ. وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهَا. كَمَا هُوَ مَحْمُودٌ عَلَى إِحْسَانِهِ وَعَدْلِهِ، وَالشُّكْرُ يَكُونُ عَلَى الْإِحْسَانِ وَالنِّعَمِ.
فَكُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الشُّكْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَمْدُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَكُلُّ مَا يَقَعُ بِهِ الْحَمْدُ يَقَعُ بِهِ الشُّكْرُ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ. فَإِنَّ الشُّكْرَ يَقَعُ بِالْجَوَارِحِ. وَالْحَمْدَ يَقَعُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.

.فَصْلٌ: [تَعْرِيفُ ابْنِ الْقَيِّمِ لِلشُّكْرِ]:

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ:
الشُّكْرُ: اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ. لِأَنَّهَا السَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ. وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ فِي الْقُرْآنِ: شُكْرًا.
فَمَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ: رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الشُّكْرِ. لَا أَنَّهَا جُمْلَةُ الشُّكْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ الِاعْتِرَافُ بِهَا، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِهَا، وَالْخُضُوعُ لَهُ وَمَحَبَّتُهُ، وَالْعَمَلُ بِمَا يُرْضِيهِ فِيهَا. لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْرِفَتُهَا رُكْنَ الشُّكْرِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي يَسْتَحِيلُ وُجُودُ الشُّكْرِ بِدُونِهِ: جُعِلَ أَحَدُهُمَا اسْمًا لِلْآخَرِ.
قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ السَّبِيلُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ.
يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا عَرَفَ النِّعْمَةَ تَوَصَّلَ بِمَعْرِفَتِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُنْعِمِ بِهَا.
وَهَذَا مِنْ جِهَةِ مَعْرِفَةِ كَوْنِهَا نِعْمَةً، لَا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ عَرَفَهَا بِهَا. وَمَتَى عَرَفَ الْمُنْعِمَ أَحَبَّهُ. وَجَدَّ فِي طَلَبِهِ. فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ أَحَبَّهُ لَا مَحَالَةَ. وَمَنْ عَرَفَ الدُّنْيَا أَبْغَضَهَا لَا مَحَالَةَ.
وَعَلَى هَذَا: يَكُونُ قَوْلُهُ: الشُّكْرُ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ. مُسْتَلْزِمًا لِمَعْرِفَةِ الْمُنِعِمِ. وَمَعْرِفَتُهُ تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّتَهُ. وَمَحَبَّتُهُ تَسْتَلْزِمُ شُكْرَهُ.
فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ بَعْضَ أَقْسَامِ الشُّكْرِ بِاللَّفْظِ. وَنَبَّهَ عَلَى سَائِرِهَا بِاللُّزُومِ. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ اخْتِصَارِهِ. وَكَمَالِ مَعْرِفَتِهِ وَتَصَوُّرِهِ، قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ.
قَالَ: وَمَعَانِي الشُّكْرِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ. ثُمَّ قَبُولُ النِّعْمَةِ. ثُمَّ الثَّنَاءُ بِهَا. وَهُوَ أَيْضًا مِنْ سُبُلِ الْعَامَّةِ.
أَمَّا مَعْرِفَتُهَا: فَهُوَ إِحْضَارُهَا فِي الذِّهْنِ، وَمُشَاهَدَتُهَا وَتَمْيِيزُهَا.
فَمَعْرِفَتُهَا: تَحْصِيلُهَا ذِهْنًا، كَمَا حَصَلَتْ لَهُ خَارِجًا. إِذْ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ تُحْسِنُ إِلَيْهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي. فَلَا يَصِحُّ مِنْ هَذَا الشُّكْرُ.
قَوْلُهُ: ثُمَّ قَبُولُ النِّعْمَةِ.
قَبُولُهَا: هُوَ تَلَقِّيهَا مِنَ الْمُنْعِمِ بِإِظْهَارِ الْفَقْرِ وَالْفَاقَةِ إِلَيْهَا. وَأَنَّ وُصُولَهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُ، وَلَا بَذْلِ ثَمَنٍ. بَلْ يَرَى نَفْسَهُ فِيهَا كَالطُّفَيْلِيِّ. فَإِنَّ هَذَا شَاهِدٌ بِقَبُولِهَا حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: ثُمَّ الثَّنَاءُ بِهَا.
الثَّنَاءُ عَلَى الْمُنْعِمِ، الْمُتَعَلِّقٌ بِالنِّعْمَةِ نَوْعَانِ: عَامٌّ، وَخَاصٌّ. فَالْعَامُّ: وَصْفُهُ بِالْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، وَسَعَةِ الْعَطَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْخَاصُّ: التَّحَدُّثُ بِنِعْمَتِهِ، وَالْإِخْبَارُ بِوُصُولِهَا إِلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}.
وَفِي هَذَا التَّحْدِيثِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَكَرَ النِّعْمَةَ، وَالْإِخْبَارَ بِهَا. وَقَوْلُهُ: أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: يَعْنِي اشْكُرْ مَا ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: مِنْ جَبْرِ الْيُتْمِ، وَالْهُدَى بَعْدَ الضَّلَالِ، وَالْإِغْنَاءِ بَعْدَ الْعَيْلَةِ.
وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ. كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَلْيَجْزِ بِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَجْزِي بِهِ فَلْيُثْنِ. فَإِنَّهُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْهِ فَقَدْ شَكَرَهُ. وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ، وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَ كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ.
فَذَكَرَ أَقْسَامَ الْخَلْقِ الثَّلَاثَةَ: شَاكِرُ النِّعْمَةِ الْمُثْنِي بِهَا، وَالْجَاحِدُ لَهَا وَالْكَاتِمُ لَهَا. وَالْمُظْهِرُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا. فَهُوَ مُتَحَلٍّ بِمَا لَمْ يُعْطَهُ.
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ مَرْفُوعٍ: مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ. وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ. وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ. وَتَرْكُهُ كُفْرٌ. وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةٌ عَذَابٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ التَّحَدُّثَ بِالنِّعْمَةِ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ، وَتَبْلِيغُ رِسَالَتِهِ، وَتَعْلِيمُ الْأُمَّةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ النُّبُوَّةُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ بَلِّغْ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ، وَحَدِّثْ بِالنُّبُوَّةِ الَّتِي آتَاكَ اللَّهُ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: هُوَ الْقُرْآنُ. أَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ يَعُمُّ النَّوْعَيْنِ. إِذْ كَلٌّ مِنْهُمَا نِعْمَةٌ مَأْمُورٌ بِشُكْرِهَا وَالتَّحَدُّثِ بِهَا. وَإِظْهَارِهَا مِنْ شُكْرِهَا.
قَوْلُهُ: وَهُوَ أَيْضًا مِنْ سُبُلِ الْعَامَّةِ.
يَا لَيْتَ الشَّيْخَ صَانَ كِتَابَهُ عَنْ هَذَا التَّعْلِيلِ. إِذْ جَعَلَ نِصْفَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ مِنْ أَضْعَفِ السُّبُلِ.
بَلِ الشُّكْرُ سَبِيلُ رُسُلِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ أَجْمَعِينَ- أَخَصِّ خَلْقِهِ، وَأَقْرَبِهِمْ إِلَيْهِ.
وَيَا عَجَبًا! أَيُّ مَقَامٍ أَرْفَعُ مِنَ الشُّكْرِ الَّذِي يَنْدَرِجُ فِيهِ جَمِيعُ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ، حَتَّى الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَا، وَالتَّوَكُّلُ وَغَيْرُهَا؟ فَإِنَّ الشُّكْرَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ حُصُولِهَا. وَتَاللَّهِ لَيْسَ لِخَوَاصِّ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَأَهْلِ الْقُرْبِ مِنْهُ سَبِيلٌ أَرْفَعَ مِنَ الشُّكْرِ وَلَا أَعْلَى. لِأَنَّ الشُّكْرَ عِنْدَهُمْ يَتَضَمَّنُ نَوْعَ دَعْوَى. وَأَنَّهُ شُكْرُ الْحَقِّ عَلَى إِنْعَامِهِ. فَفِي الشَّاكِرِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا رَسْمِهِ. لَمْ يَتَخَلَّصْ عَنْهَا، وَيَفْرُغْ مِنْهَا. فَلَوْ فَنِيَ عَنْهَا- بِتَحَقُّقِهِ أَنَّ الْحَقَّ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي شَكَرَ نَفْسِهُ بِنَفْسِهِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَيْفَ يَشْكُرُ مَنْ لَمْ يَزَلْ- عُلِمَ أَنَّ الشُّكْرَ مِنْ مَنَازِلِ الْعَامَّةِ. وَلَوْ أَنَّ السُّلْطَانَ كَسَا عَبْدًا مِنْ عَبِيدِهِ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِهِ. فَأَخَذَ يَشْكُرُ السُّلْطَانَ عَلَى ذَلِكَ: لَعُدَّ مُخْطِئًا، مُسِيئًا لِلْأَدَبِ. فَإِنَّهُ مُدَّعٍ بِذَلِكَ مُكَافَأَةَ السُّلْطَانِ بِشُكْرِهِ. فَإِنَّ الشُّكْرَ مُكَافَأَةٌ. وَالْعَبْدُ أَصْغَرُ قَدْرًا مِنَ الْمُكَافَأَةِ. وَالشُّهُودُ لِلْحَقِيقَةِ يَقْتَضِي اتِّحَادَ نِسْبَةِ الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ، وَرُجُوعَهَا إِلَى وَصْفِ الْمُعْطِي وَقُوَّتِهِ. فَالْخَاصَّةُ يَسْقُطُ عِنْدَهُمُ الشُّكْرُ بِالشُّهُودِ، وَفِي حَقِّهِمْ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ.
هَذَا غَايَةُ تَقْرِيرِ كَلَامِهِمْ. وَكَسَوْتُهُ أَحْسَنَ عِبَارَةٍ. لِئَلَّا يُتَعَدَّى عَلَيْهِمْ بِسُوءِ التَّعْبِيرِ الْمُوجِبِ لِلتَّنْفِيرِ.
وَنَحْنُ مَعَنَا الْعِصْمَةُ النَّافِعَةُ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ- غَيْرَ الْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَمَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ وَمَتْرُوكٌ. وَكُلَّ سَبِيلٍ لَا يُوَافِقُ سَبِيلَهُ فَمَهْجُورٌ غَيْرُ مَسْلُوكٍ.
فَأَمَّا تَضَمُّنُ الشُّكْرِ لِنَوْعِ دَعْوَى. فَإِنْ أُرِيدَ بِهَذِهِ الدَّعْوَى إِضَافَةُ الْعَبْدِ الْفِعْلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ بِهِ وَغَابَ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ وَمِنَّتِهِ عَلَى عَبْدِهِ: فَلَعَمْرُ اللَّهِ هَذِهِ عِلَّةٌ مُؤْثَرَةٌ. وَدَعْوَى بَاطِلَةٌ كَاذِبَةٌ.
وَإِنْ أُرِيدَ: أَنَّ شُهُودَهُ لِشُكْرِهِ شُهُودُهُ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهِ، وَتَوْفِيقِهِ لَهُ فِيهِ، وَإِذْنِهِ لَهُ بِهِ، وَمَشِيئَتِهِ عَلَيْهِ وَمِنَّتِهِ. فَشَهِدَ عُبُودِيَّتَهُ وَقِيَامَهُ بِهَا، وَكَوْنَهَا بِاللَّهِ. فَأَيُّ دَعْوَى فِي هَذَا؟ وَأَيُّ عِلَّةٍ؟.
نَعَمْ غَايَتُهُ: أَنَّهُ لَا يُجَامِعُ الْفَنَاءَ. وَلَا يَخُوضُ تَيَّارَهُ. فَكَانَ مَاذَا؟.
فَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُ الْفَنَاءَ غَايَةً. فَأَوْجَبَ لَكُمْ مَا أَوْجَبَ. وَقَدَّمْتُمُوهُ عَلَى مَا قَدَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَقْدِيمَ مَا أُخِّرَ، وَتَأْخِيرَ مَا قُدِّمَ. وَإِلْغَاءَ مَا اعْتُبِرَ، وَاعْتِبَارَ مَا أُلْغِيَ.
وَلَوْلَا مِنَّةُ اللَّهِ عَلَى الصَّادِقِينَ مِنْكُمْ بِتَحْكِيمِ الرِّسَالَةِ، وَالتَّقَيُّدِ بِالشَّرْعِ لَكَانَ أَمْرًا غَيْرَ هَذَا. كَمَا جَرَى لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّالِكِينَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقِ الْخَطِرَةِ. فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. كَمْ فِيهَا مِنْ قَتِيلٍ وَسَلِيبٍ، وَجَرِيحٍ وَأَسِيرٍ وَطَرِيدٍ؟.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّ الشَّاكِرَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا رَسْمِهِ.
فَيُقَالُ: إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْبَقِيَّةُ مَحْضَ الْعُبُودِيَّةِ وَمَرْكَبَهَا، وَالْحَامِلَةَ لَهَا: فَأَيُّ نَقْصٍ فِي هَذَا؟ فَإِنَّ الْعُبُودِيَّةَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا. وَإِنَّمَا تَقُومُ بِهَذَا الرَّسْمِ. فَلَا نَقْصَ فِي حَمْلِ الْعُبُودِيَّةِ عَلَيْهِ، وَالسَّيْرِ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
نَعَمِ، النَّقْصُ كُلُّ النَّقْصِ: فِي حَمْلِ النَّفْسِ وَالشَّهْوَةِ وَالْحَظِّ الْمُخَالِفِ لِمُرَادِ الرَّبِّ تَعَالَى الدِّينِيِّ عَلَى هَذَا الرَّسْمِ، وَالسَّيْرِ بِهِ إِلَى النَّفْسِ. وَلَعَلَّ الْعَامِلَ عَلَى الْفَنَاءِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. وَهُوَ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِ. فَالْعَارِفُ يَسْتَقْصِي التَّفْتِيشَ عَنْ كَمَائِنِ النَّفْسِ.
وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: مَنْ لَمْ يَكُنْ كَيْفَ يَشْكُرُ مَنْ لَمْ يَزَلْ؟ فَهَذَا بِالشَّطْحِ أَلْيَقُ مِنْهُ بِالْمَعْرِفَةِ. فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَزَلْ إِذَا أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ بِالشُّكْرِ، وَرَضِيَهُ مِنْهُ وَأَحَبَّهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ، وَاسْتَدْعَاهُ وَاقْتَضَاهُ مِنْهُ، وَأَوْجَبَ لَهُ بِهِ الْمَزِيدَ، وَأَضَافَهُ إِلَيْهِ، وَاشْتَقَّ مِنْهُ لَهُ الِاسْمُ، وَأَوْقَعَ عَلَيْهِ بِهِ الْحُكْمَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ غَايَةُ رِضَاهُ مِنْهُ. وَأَمَرَهُ- مَعَ ذَلِكَ- أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ شُكْرَهُ بِهِ، وَبِإِذْنِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ: فَهَذَا شُكْرُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ يَزَلْ. وَهُوَ مَحْضُ الْعُبُودِيَّةِ.
وَأَمَّا ضَرْبُكُمْ مَثَلَ كِسْوَةِ السُّلْطَانِ لِعَبْدِهِ، وَأَخْذِهِ فِي الشُّكْرِ لَهُ مُكَافَأَةً: فَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْأَمْثِلَةِ عَقْلًا وَنَقْلًا وَفِطْرَةً. وَهُوَ الْحِجَابُ الَّذِي أَوْجَبَ لِمَنْ قَالَ: إِنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ لَا يَجِبُ عَقْلًا، مَا قَالَ ذَلِكَ. حَتَّى زَعَمَ أَنَّ شُكْرَهُ قَبِيحٌ عَقْلًا. وَلَوْلَا الشَّرْعُ لَمَا حَسُنَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ. وَضَرْبُ هَذَا الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبْتُمُوهُ بِعَيْنِهِ. وَهَذَا مِنَ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ، الْمُتَضَمِّنِ قِيَاسَ الْخَالِقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَبِمِثْلِهِ عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْأَوْثَانُ، إِذْ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: جَنَابُ الْعَظِيمِ لَا يُهْجَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ وَسَائِلَ وَوَسَائِطَ. وَسَرَتْ هَاتَانِ الرَّقِيقَتَانِ فِيمَنْ فَسَدَ مِنْ أَهْلِ التَّعَبُّدِ وَأَهْلِ النَّظَرِ وَالْبَحْثِ. وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.
فَيُقَالُ: الْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا. تَفُوتُ الْحَصْرَ.
مِنْهَا: أَنَّ الْمَلِكَ مُحْتَاجٌ فَقِيرٌ إِلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ، لَا يَقُومُ مُلْكُهُ إِلَّا بِهِ. فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى مُعَاوَضَةٍ بِتِلْكَ الْكِسْوَةِ- مَثَلًا- خِدْمَةً لَهُ، وَحِفْظًا لَهُ، وَذَبًّا عَنْهُ، وَسَعْيًا فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ. فَكِسْوَتُهُ لَهُ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُعَاوَنَةِ. فَإِذَا أَخَذَ فِي شُكْرِهِ. فَكَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ ثَمَنًا لِنِعْمَتِهِ. وَلَيْسَ بِثَمَنٍ لَهَا.
وَأَمَّا إِنْعَامُ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ: فَإِحْسَانٌ إِلَيْهِ، وَتَفَضُّلٌ عَلَيْهِ، وَمُجَرَّدُ امْتِنَانٍ. لَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَلَا لِمُعَاوَضَةٍ، وَلَا لِاسْتِعَانَةٍ بِهِ، وَلَا لِيَتَكَثَّرَ بِهِ مِنْ قِلَّةٍ، وَلَا لِيَتَعَزَّزَ بِهِ مِنْ ذِلَّةٍ، وَلَا لِيَقْوَى بِهِ مِنْ ضَعْفٍ. سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ.
وَأَمْرُهُ لَهُ بِالشُّكْرِ أَيْضًا: إِنْعَامٌ آخَرُ عَلَيْهِ. وَإِحْسَانٌ مِنْهُ إِلَيْهِ. إِذْ مَنْفَعَةُ الشُّكْرِ تَرْجِعُ إِلَى الْعَبْدِ دُنْيَا وَآخِرَةً. لَا إِلَى اللَّهِ. وَالْعَبْدُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِشُكْرِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} فَشُكْرُ الْعَبْدِ إِحْسَانٌ مِنْهُ إِلَى نَفْسِهِ دُنْيَا وَأُخْرَى. فَلَا يُذَمُّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْسِنُ مُقَابَلَةَ الْمُنْعِمِ بِهِ. وَلَا يَسْتَطِيعُ شُكْرَهُ. فَإِنَّهُ إِنَّمَا هُوَ مُحْسِنٌ إِلَى نَفْسِهِ بِالشُّكْرِ. لَا أَنَّهُ مُكَافِئٌ بِهِ لِنِعَمِ الرَّبِّ. فَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُكَافِئَ نِعَمَهُ أَبَدًا، وَلَا أَقَلَّهَا، وَلَا أَدْنَى نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ. فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ، الْخَالِقُ لِلشُّكْرِ وَالشَّاكِرِ، وَمَا يُشْكَرُ عَلَيْهِ. فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُحْصِيَ ثَنَاءً عَلَيْهِ. فَإِنَّهُ هُوَ الْمُحْسِنُ إِلَى عَبْدِهِ بِنِعَمِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ بِأَنْ أَوْزَعَهُ شُكْرَهَا. فَشُكْرُهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ. تَحْتَاجُ إِلَى شُكْرٍ آخَرَ. وَهَلُمَّ جَرًّا.
وَمِنْ تَمَامِ نِعْمَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَعَظِيمِ بِرِّهِ وَكَرَمِهِ وَجُودِهِ: مَحَبَّتُهُ لَهُ عَلَى هَذَا الشُّكْرِ. وَرِضَاهُ مِنْهُ بِهِ. وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِهِ، وَمَنْفَعَتُهُ وَفَائِدَتُهُ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَبْدِ. لَا تَعُودُ مَنْفَعَتُهُ عَلَى اللَّهِ. وَهَذَا غَايَةُ الْكَرَمِ الَّذِي لَا كَرَمَ فَوْقَهُ. يُنْعِمُ عَلَيْكَ ثُمَّ يُوزِعُكَ شُكْرَ النِّعْمَةِ، وَيَرْضَى عَنْكَ. ثُمَّ يُعِيدُ إِلَيْكَ مَنْفَعَةَ شُكْرِكَ. وَيَجْعَلُهُ سَبَبًا لِتَوَالِي نِعَمِهِ وَاتِّصَالِهِ إِلَيْكَ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا.
وَهَذَا الْوَجْهُ وَحْدَهُ يَكْفِي اللَّبِيبَ لِيَتَنَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ.
وَأَمَّا كَوْنُ الشُّهُودِ يُسْقِطُ الشُّكْرَ: فَلَعَمْرُ اللَّهِ، إِنَّهُ إِسْقَاطٌ لِحَقِّ الْمَشْكُورِ بِحَظِّ الشَّاهِدِ. نَعَمْ بِحَظٍّ عَظِيمٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ، لَا حَظٍّ سُفْلِيٍّ، مُتَعَلِّقٍ بِالْكَائِنَاتِ وَلَكِنَّ صَاحِبَهُ قَدْ سَارَ مِنْ حَرَمٍ إِلَى حَرَمٍ.
وَكَانَ يَقَعُ لِي هَذَا الْقَدَرُ مُنْذُ أَزْمَانٍ. وَلَا أَتَجَرَّأُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ. لِأَنَّ أَصْحَابَهُ يَرَوْنَ مَنْ ذَكَّرَهُمْ بِهِ بِعَيْنِ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ. فَلَا يُصْغُونَ إِلَيْهِ أَلْبَتَّةَ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَاقُوا حَلَاوَتَهُ وَلَذَّتَهُ. وَرَأَوْا تَخْبِيطَ أَهْلِ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ، وَتُلَوُّثَهُمْ بِنُفُوسِهِمْ وَعَوَالِمِهَا. وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ: أَنْ جَعَلُوهُ غَايَةً، فَتَرَكَّبَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا تَرَكَّبَ. وَإِذَا لَاحَتِ الْحَقَائِقُ فَلْيَقُلِ الْقَائِلُ مَا شَاءَ.

.فَصْلٌ: دَرَجَاتُ الشُّكْرِ:

.[الدَّرَجَةُ الْأُولَى الشُّكْرُ عَلَى الْمَحَابِّ]:

قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ‌‌‌ الْأُولَى: الشُّكْرُ عَلَى الْمُحَابِّ. وَهَذَا شُكْرٌ تَشَارَكَتْ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ. وَمِنْ سِعَةِ رَحْمَةِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ: أَنْ عَدَّهُ شُكْرًا. وَوَعَدَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ، وَأَوْجَبَ فِيهِ الْمَثُوبَةَ.
إِذَا عَلِمْتَ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ وَأَنَّ جُزْءَ حَقِيقَتِهِ: الِاسْتِعَانَةُ بِنِعَمِ الْمُنْعِمِ عَلَى طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ: عَلِمْتَ اخْتِصَاصَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ. وَأَنَّ حَقِيقَةَ الشُّكْرِ عَلَى الْمَحَابِّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ.
نَعَمْ لِغَيْرِهِمْ مِنْهَا بَعْضُ أَرْكَانِهَا وَأَجْزَائِهَا، كَالِاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى الْمُنْعِمِ بِهَا. فَإِنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ فِي نِعَمِ اللَّهِ، وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِاللَّهِ رَبًّا، وَتَفَرَّدَهُ بِالْخَلْقِ وَالْإِحْسَانِ. فَإِنَّهُ يُضِيفُ نِعْمَتَهُ إِلَيْهِ، لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي تَمَامِ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ. وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِهَا عَلَى مَرْضَاتِهِ. وَقَدْ كَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ أَقَلَّ مَا يَجِبُ لِلْمُنْعِمِ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ: أَنْ لَا يَجْعَلَ مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ سَبِيلًا إِلَى مَعْصِيَتِهِ.
وَقَدْ عُرِفَ مُرَادُ الشَّيْخِ. وَهُوَ أَنَّ هَذَا الشُّكْرَ مُشْتَرَكٌ. وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِنِعَمِهِ سُبْحَانَهُ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِهَا، وَالْإِحْسَانُ إِلَى خَلْقِهِ مِنْهَا. وَهَذَا بِلَا شَكٍّ يُوجِبُ حِفْظَهَا عَلَيْهِمْ وَالْمَزِيدَ مِنْهَا. فَهَذَا الْجُزْءُ مِنَ الشُّكْرِ مُشْتَرَكٌ. وَقَدْ تَكُونُ ثَمَرَتُهُ فِي الدُّنْيَا بِعَاجِلِ الثَّوَابِ. وَفِي الْآخِرَةِ: بِتَخْفِيفِ الْعِقَابِ. فَإِنَّ النَّارَ دَرَكَاتٌ فِي الْعُقُوبَةِ مُخْتَلِفَةٌ.

.فَصْلٌ: [الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: الشُّكْرُ فِي الْمَكَارِهِ]:

قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: الشُّكْرُ فِي الْمَكَارِهِ. وَهَذَا مِمَّنْ تَسْتَوِي عِنْدَهُ الْحَالَاتُ: إِظْهَارًا لِلرِّضَا. وَمِمَّنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَحْوَالِ: لِكَظْمِ الْغَيْظِ، وَسَتْرِ الشَّكْوَى. وَرِعَايَةِ الْأَدَبِ. وَسَلُوكِ مَسْلَكِ الْعِلْمِ. وَهَذَا الشَّاكِرُ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ.
يَعْنِي أَنْ الشُّكْرَ عَلَى الْمَكَارِهِ: أَشَدُّ وَأَصْعَبُ مِنَ الشُّكْرِ عَلَى الْمَحَابِّ. وَلِهَذَا كَانَ فَوْقَهُ فِي الدَّرَجَةِ. وَلَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَحَدِ رَجُلَيْنِ:
إِمَّا رَجُلٌ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَالَاتِ: بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الْمَكْرُوهُ وَالْمَحْبُوبُ. فَشُكْرُ هَذَا: إِظْهَارٌ مِنْهُ لِلرِّضَا بِمَا نَزَلَ بِهِ. وَهَذَا مَقَامُ الرِّضَا.
الرَّجُلُ الثَّانِي: مَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَحْوَالِ. فَهُوَ لَا يُحِبُّ الْمَكْرُوهَ. وَلَا يَرْضَى بِنُزُولِهِ بِهِ. فَإِذَا نَزَلَ بِهِ مَكْرُوهٌ شَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَكَانَ شُكْرُهُ كَظْمًا لِلْغَيْظِ الَّذِي أَصَابَهُ، وَسَتْرًا لِلشَّكْوَى، وَرِعَايَةً مِنْهُ لِلْأَدَبِ، وَسُلُوكًا لِمَسْلَكِ الْعِلْمِ. فَإِنَّ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ يَأْمُرَانِ بِشُكْرِ اللَّهِ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. فَهُوَ يَسْلُكُ بِهَذَا الشُّكْرِ مَسْلَكَ الْعِلْمِ. لِأَنَّهُ شَاكِرٌ لِلَّهِ شُكْرَ مَنْ رَضِيَ بِقَضَائِهِ، كَحَالِ الَّذِي قَبْلَهُ. فَالَّذِي قَبْلَهُ: أَرْفَعُ مِنْهُ.
وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا الشَّاكِرُ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ: لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلْمَكَارِهِ- الَّتِي يُقَابِلُهَا أَكْثَرُ النَّاسِ بِالْجَزَعِ وَالسُّخْطِ، وَأَوْسَاطُهُمْ بِالصَّبْرِ، وَخَاصَّتُهُمْ بِالرِّضَا- فَقَابَلَهَا هُوَ بِأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَهُوَ الشُّكْرُ. فَكَانَ أَسْبَقَهُمْ دُخُولًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَأَوَّلَ مَنْ يُدْعَى مِنْهُمْ إِلَيْهَا.
وَقَسَّمَ أَهْلَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلَى قِسْمَيْنِ: سَابِقِينَ، وَمُقَرَّبِينَ بِحَسَبِ انْقِسَامِهِمْ إِلَى مَنْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الْحَالَاتُ، مِنَ الْمَكْرُوهِ وَالْمَحْبُوبِ، فَلَا يُؤْثَرُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. بَلْ قَدْ فَنِيَ بِإِيثَارِهِ مَا يَرْضَى لَهُ بِهِ رَبُّهُ عَمَّا يَرْضَاهُ هُوَ لِنَفْسِهِ. وَإِلَى مَنْ يُؤْثِرُ الْمَحْبُوبَ، وَلَكِنْ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْمَكْرُوهُ قَابَلَهُ بِالشُّكْرِ.

.فَصْلٌ: [الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ لَا يَشْهَدَ الْعَبْدُ إِلَّا الْمُنْعِمَ]:

قَالَ الدَّرَجَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَشْهَدَ الْعَبْدُ إِلَّا الْمُنْعِمَ. فَإِذَا شَهِدَ الْمُنْعِمَ عُبُودِيَّةً: اسْتَعْظَمَ مِنْهُ النِّعْمَةَ. وَإِذَا شَهِدَهُ حُبًّا: اسْتَحْلَى مِنْهُ الشِّدَّةَ. وَإِذَا شَهِدَهُ تَفْرِيدًا: لَمْ يَشْهَدْ مِنْهُ نِعْمَةً، وَلَا شَدَّةً.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ يَسْتَغْرِقُ صَاحِبُهَا بِشُهُودِ الْمُنْعِمِ عَنِ النِّعْمَةِ. فَلَا يَتَّسِعُ شُهُودُهُ لِلْمُنْعِمِ وَلِغَيْرِهِ.
وَقَسَّمَ أَصْحَابَهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَصْحَابُ شُهُودِ الْعُبُودِيَّةِ. وَأَصْحَابُ شُهُودِ الْحُبِّ. وَأَصْحَابُ شُهُودِ التَّفْرِيدِ. وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ حُكْمًا، هُوَ أَوْلَى بِهِ.
فَأَمَّا شُهُودُهُ عُبُودِيَّةً: فَهُوَ مُشَاهَدَةُ الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ بِحَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَالْمِلْكِ لَهُ، فَإِنَّ الْعَبِيدَ إِذَا حَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَنْسَوْنَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْجَاهِ، وَالْقُرْبِ الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ بِاسْتِغْرَاقِهِمْ فِي أَدَبِ الْعُبُودِيَّةِ وَحَقِّهَا، وَمُلَاحَظَتِهِمْ لِسَيِّدِهِمْ، خَوْفًا أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِمْ بِأَمْرٍ، فَيَجِدَهُمْ غَافِلِينَ عَنْ مُلَاحَظَتِهِ. وَهَذَا أَمْرٌ يَعْرِفُهُ مَنْ شَاهَدَ أَحْوَالَ الْمُلُوكِ وَخَوَاصَّهُمْ.
فَهَذَا هُوَ شُهُودُ الْعَبْدِ لِلْمُنْعِمِ بِوَصْفِ عُبُودِيَّتِهِ لَهُ، وَاسْتِغْرَاقِهِ عَنِ الْإِحْسَانِ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْهُ الْقُرْبُ الَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ.
فَصَاحِبُ هَذَا الْمَشْهَدِ: إِذَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ- مَعَ قِيَامِهِ فِي مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ- يُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَصْغِرَ نَفْسَهُ فِي حَضْرَةِ سَيِّدِهِ غَايَةَ الِاسْتِصْغَارِ، مَعَ امْتِلَاءِ قَلْبِهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ، فَأَيُّ إِحْسَانٍ نَالَهُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. رَآهُ عَظِيمًا. وَالْوَاقِعُ شَاهِدٌ بِهَذَا فِي حَالِ الْمُحِبِّ الْكَامِلِ الْمَحَبَّةِ، الْمُسْتَغْرِقِ فِي مُشَاهَدَةِ مَحْبُوبِهِ إِذَا نَاوَلَهُ شَيْئًا يَسِيرًا. فَإِنَّهُ يَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ عَظِيمًا جِدًّا. وَلَا يَرَاهُ غَيْرُهُ كَذَلِكَ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: يَشْهَدُ الْحَقَّ شُهُودَ مَحَبَّةٍ غَالِبَةٍ قَاهِرَةٍ لَهُ، مُسْتَغْرِقٌ فِي شُهُودِهِ كَذَلِكَ. فَإِنَّهُ يَسْتَحْلِي فِي هَذِهِ الْحَالِ الشِّدَّةَ مِنْهُ. لِأَنَّ الْمُحِبَّ يَسْتَحْلِي فِعْلَ الْمَحْبُوبِ بِهِ.
وَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا الْمَشْهَدِ: أَنْ يُخِفَّ عَلَيْهِ حِمْلُ الشَّدَائِدِ، إِنْ لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِاسْتِحْلَائِهَا. وَفِي هَذَا مِنَ الْحِكَايَاتِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ النَّاسِ مَا يُغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا، كَحَالِ الَّذِي كَانَ يُضْرَبُ بِالسِّيَاطِ وَلَا يَتَحَرَّكُ، حَتَّى ضُرِبَ آخَرَ سَوْطٍ. فَصَاحَ صِيَاحًا شَدِيدًا. فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ: الْعَيْنُ الَّتِي كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ وَقْتَ الضَّرْبِ كَانَتْ تَمْنَعُنِي مِنَ الْإِحْسَاسِ بِالْأَلَمِ. فَلَمَّا فَقَدْتُهَا وَجَدْتُ أَلَمَ الضَّرْبِ.
وَهَذِهِ الْحَالُ عَارِضَةٌ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ. فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ تَأْبَى اسْتِحْلَاءَ الْمُنَافِي كَاسْتِحْلَاءِ الْمُوَافِقِ.
نَعَمْ قَدْ يَقْوَى سُلْطَانُ الْمَحَبَّةِ حَتَّى يَسْتَحْلِيَ الْمُحِبُّ مَا يَسْتَمِرُّهُ غَيْرُهُ. وَيَسْتَخِفَّ مَا يَسْتَثْقِلُهُ غَيْرُهُ. وَيَأْنَسَ بِمَا يَسْتَوْحِشُ مِنْهُ الْخَلِيُّ. وَيَسْتَوْحِشَ مِمَّا يَأْنَسُ بِهِ، وَيَسْتَلِينَ مَا يَسْتَوْعِرُهُ. وَقُوَّةُ هَذَا وَضَعْفُهُ بِحَسَبِ قَهْرِ سُلْطَانِ الْمَحَبَّةِ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى قَلْبِ الْمُحِبِّ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَهُ تَفْرِيدًا. فَإِنَّهُ لَا يَشْهَدُ مَعَهُ نِعْمَةً وَلَا شِدَّةً.
يَقُولُ: إِنَّ شُهُودَ التَّفْرِيدِ: يُفْنِي الرَّسْمَ. وَهَذِهِ حَالُ الْفَنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ فِيهِ، الَّذِي لَا يَشْهَدُ نِعْمَةً وَلَا بَلِيَّةً. فَإِنَّهُ يَغِيبُ بِمَشْهُودِهِ عَنْ شُهُودِهِ لَهُ. وَيَفْنَى بِهِ عَنْهُ. فَكَيْفَ يَشْهَدُ مَعَهُ نِعْمَةً أَوْ بَلِيَّةً؟ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا: مَنْ كَانَتْ مَوَاهِبُهُ لَا تَتَعَدَّى يَدَيْهِ فَلَا وَاهِبَ وَلَا مَوْهُوبَ.
وَذَلِكَ مَقَامُ الْجَمْعِ عِنْدَهُمْ، وَبَعْضُهُمْ يُحَرِّمُ الْعِبَارَةَ عَنْهُ.
وَحَقِيقَتُهُ: اصْطِلَامٌ يَرْفَعُ إِحْسَاسَ صَاحِبِهِ بِرَسْمِهِ، فَضْلًا عَنْ رَسْمِ غَيْرِهِ، لِاسْتِغْرَاقِهِ فِي مَشْهُودِهِ وَغَيْبَتِهِ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ، وَهَذَا هُوَ مَطْلُوبُ الْقَوْمِ.
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ فَوْقَهُ مَقَامًا أَعْلَى مِنْهُ، وَأَرْفَعُ وَأَجَلُّ. وَهُوَ أَنْ يَصْطَلِمَ بِمُرَادِهِ عَنْ غَيْرِهِ. فَيَكُونَ فِي حَالِ مُشَاهَدَتِهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ: مُنَفِّذًا لِمَرَاسِيمِهِ وَمُرَادِهِ. مُلَاحِظًا لِمَا يُلَاحِظُ مَحْبُوبُهُ مِنَ الْمُرَادَاتِ وَالْأَوَامِرِ.
فَتَأَمَّلِ الْآنَ عَبْدَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا. وَهُمَا عَلَى مَوْقِفٍ وَاحِدٍ بَيْنَ يَدَيْهِ. أَحَدُهُمَا مَشْغُولٌ بِمُشَاهَدَتِهِ. فَإِنَّ اسْتِغْرَاقَهُ فِي مُلَاحَظَةِ الْمَلِكِ، لَيْسَ فِيهِ مُتَّسَعٌ إِلَى مُلَاحَظَةِ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمَلِكِ أَلْبَتَّةَ. وَآخَرُ مَشْغُولٌ بِمُلَاحَظَةِ حَرَكَاتِ الْمَلِكِ وَكَلِمَاتِهِ، وَإِيشِ أَمْرِهِ وَلَحَظَاتِهِ وَخَوَاطِرِهِ، لِيُرَتِّبَ عَلَى كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مُرَادٌ لِلْمَلِكِ.
وَتَأَمَّلْ قِصَّةَ بَعْضِ الْمُلُوكِ: الَّذِي كَانَ لَهُ غُلَامٌ يَخُصُّهُ بِإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ وَإِكْرَامِهِ، وَالْحُظْوَةِ عِنْدَهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ غِلْمَانِهِ- وَلَمْ يَكُنِ الْغُلَامُ أَكْثَرَهُمْ قِيمَةً، وَلَا أَحْسَنَهُمْ صُورَةً- فَقَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ. فَأَرَادَ السُّلْطَانُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ فَضْلَ الْغُلَامِ فِي الْخِدْمَةِ عَلَى غَيْرِهِ. فَيَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ كَانَ رَاكِبًا فِي بَعْضِ شُئُونِهِ. وَمَعَهُ الْحَشَمُ، وَبِالْبُعْدِ مِنْهُ جَبَلٌ عَلَيْهِ ثَلْجٌ. فَنَظَرَ السُّلْطَانُ إِلَى ذَلِكَ الثَّلْجِ وَأَطْرَقَ. فَرَكَضَ الْغُلَامُ فَرَسَهُ. وَلَمْ يَعْلَمِ الْقَوْمُ لِمَاذَا رَكَضَ. فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّلْجِ. فَقَالَ السُّلْطَانُ: مَا أَدْرَاكَ أَنِّي أُرِيدُ الثَّلْجَ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لِأَنَّكَ نَظَرْتَ إِلَيْهِ. وَنَظَرُ الْمُلُوكِ إِلَى شَيْءٍ لَا يَكُونُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ. فَقَالَ السُّلْطَانُ: إِنَّمَا أَخُصُّهُ بِإِكْرَامِي وَإِقْبَالِي لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ شُغْلًا، وَشُغْلُهُ مُرَاعَاةُ لَحَظَاتِي، وَمُرَاقِبَةُ أَحْوَالِي. يَعْنِي فِي تَحْصِيلِ مُرَادِي.
وَسَمِعْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ يَقُولُ: لَوْ قَالَ مَلِكٌ لِغُلَامَيْنِ لَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُسْتَغْرِقَيْنِ فِي مُشَاهَدَتِهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ: اذْهَبَا إِلَى بِلَادِ عَدُوِّي. فَأَوْصِلَا إِلَيْهِمْ هَذِهِ الْكُتُبَ. وَطَالِعَانِي بِأَحْوَالِهِمْ. وَافْعَلَا كَيْتَ وَكَيْتَ. فَأَحَدُهُمَا: مَضَى مِنْ سَاعَتِهِ لِوَجْهِهِ. وَبَادَرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَالْآخَرُ قَالَ: أَنَا لَا أَدَعُ مُشَاهَدَتِكَ، وَالِاسْتِغْرَاقَ فِيكَ. وَدَوَامَ النَّظَرِ إِلَيْكَ. وَلَا أَشْتَغِلُ بِغَيْرِكَ: لَكَانَ هَذَا جَدِيرًا بِمَقْتِ الْمَلِكِ لَهُ، وَبُغْضِهِ إِيَّاهُ، وَسُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِهِ. إِذْ هُوَ وَاقِفٌ مَعَ مُجَرَّدِ حَظِّهِ مِنَ الْمَلِكِ. لَا مَعَ مُرَادِ الْمَلِكِ مِنْهُ، بِخِلَافِ صَاحِبِهِ الْأَوَّلِ.
وَسَمِعَتْهُ أَيْضًا يَقُولُ: لَوْ أَنَّ شَخْصَيْنِ ادَّعَيَا مَحَبَّةَ مَحْبُوبٍ. فَحَضَرَا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَأَقْبَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى مُشَاهَدَتِهِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ فَقَطْ. وَأَقْبَلَ الْآخَرُ عَلَى اسْتِقْرَاءِ مُرَادَاتِهِ وَمَرَاضِيهِ وَأَوَامِرِهِ لِيَمْتَثِلَهَا. فَقَالَ لَهُمَا: مَا تُرِيدَانِ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أُرِيدُ دَوَامَ مُشَاهَدَتِكَ، وَالِاسْتِغْرَاقَ فِي جَمَالِكَ، وَقَالَ الْآخَرُ: أُرِيدُ تَنْفِيذَ أَوَامِرِكَ، وَتَحْصِيلَ مَرَاضِيكَ. فَمُرَادِي مِنْكَ مَا تُرِيدُهُ أَنْتَ مِنِّي. لَا مَا أُرِيدُهُ أَنَا مِنْكَ. وَالْآخَرُ قَالَ: مُرَادِي مِنْكَ تَمَتُّعِي بِمُشَاهَدَتِكَ. أَكَانَا عِنْدَهُ سَوَاءً؟
فَمَنْ هُوَ الْآنَ صَاحِبُ الْمَحَبَّةِ الْمَعْلُولَةِ الْمَدْخُولَةِ، النَّاقِصَةِ النَّفْسَانِيَّةِ، وَصَاحِبُ الْمَحَبَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّادِقَةِ الْكَامِلَةِ؟ أَهَذَا أَمْ هَذَا؟
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ- قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ- يَحْكِي عَنْ بَعْضِ الْعَارِفِينَ أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ يَعْبُدُونَ اللَّهَ. وَالصُّوفِيَّةُ يَعْبُدُونَ أَنْفُسَهُمْ.
أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمَ، وَأَنَّهُمْ وَاقِفُونَ مَعَ مُرَادِهِمْ مِنَ اللَّهِ. لَا مَعَ مُرَادِ اللَّهِ مِنْهُمْ. وَهَذَا عَيْنُ عِبَادَةِ النَّفْسِ. فَلْيَتَأَمَّلِ اللَّبِيبُ هَذَا الْمَوْضِعَ حَقَّ التَّأَمُّلِ. فَإِنَّهُ مِحَكٌّ وَمِيزَانٌ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.